احصائيات المدونة

الاثنين، 14 مارس، 2011

Krzysztof Kieslowski | ثلاثية الالوان



بعد ثلاث مشاهدات وثلاث الوان لكيسلوفسكي استطيع ان اصنف سينما هذا المخرج كسينما الشاعرية والاحاسيس بامتياز، ان سينما كيسلوفسكي تعتمد على شاعريته وقيمته الفكرية العالية فثلاثيته هذه تختزل العديد من الافكار والتيمات الجمالية بامتياز وقيم الحب والمساواة والحرية وستكتشف ان في اعماله ستتعرف على المخرج اكثر مما تتعرف على الممثل ، فستنبهر بالقيمة الاخراجية عنده وجمالية توظيفه للعناصر الاخراجية ، وستكتشف انه هو المتحكم الاساسي بالفيلم وعلى افكاره تبنى المشاهد رغم السيناريوهات التي تكون محكمة في الثلاثية كلها ، ورغم اهمية هذا الاخير الا انك تحس وطيلة مدة الثلاثية ان هناك يد خفية تحرك البيادق الممثلة باالفيلم و تسيطر على روح الفيلم وطريقة بنائه وتعمل الشكل والمضمون المختزل له .
شاعرية كيسلوفسكي تظهر في مجمل الاعمال الثلاثة شاعرية تأخذ العاطفة و الاحاسيس لتترجمها في صور ومشاهد تتناغم في جمالية بصرية خلابة ، تفوح منها عبقية الصورة الشاعرية الحساسة التي تبرز مكامن العاطفة و الحب لدى الشخوص في ايحاءات تعبيرية تنم عن فلفسة و فكر عميق حساس لدى كيسلوفسكي ، اكتسبه من تجربته المريرة مع الاستعمار الاجنبي الكابح لكل انواع الحريات الفنية والثقافية في بولاندا ابان الاحتلال .. ولم تختزلها و تفرضها وتنفجر للواقع الا وهو نازح الى فرنسا بلد الحرية آنذاك الى جانب امريكا ، ولعل هذه هي ما تسمى بسينما المخرج كما يقال وبحكم تجربتي الضعيفة لااحكم ان كانت سينماه كذالك ههه، فكيسلوفسكي تلامس اعماله جمالية المشاعر وتخاطب ما يخالج صدر المشاهد والتاثير فيه عبر شخوص الفيلم وما يصيبها من آلام واحزان وعبرالقصة الرومانسية التي دائما ما تبدئ بمأساة في ثلاثيته هذه .. فالاولى في الازرق بموت الحبيب ، والثانية في الاحمر بابتعاد الحبيب وبعد مسافة تواجده ، والثالثة في الابيض بحدوث الطلاق والفراق عنه .
فكما هو معلوم فاِن كيسلوفسكي اختار اسم هذه الثلاثية تيمنا بالعلم الفرنسي الذي يمثل الحرية ، المساواة ، الاخاء ، هذه الكلمات والالوان تمثل رموز العلم الفرنسي عكسها المخرج في حياة ثلاث شخوص في ثلاث افلام ، لكن لا تحاول هذه الافلام ان تفسر هذه المفاهيم في اطار سياسي او اجتماعي محض ، انما تحاول ان تعكس هذه المفاهيم الحساسة في حياة كل شخص من شخوص هذه الافلام من منظور كيسلوفسكي و كاتبه الذي تعامل معه في اكثر من عمل لرؤيتهما للحياة وفي اطار شاعري درامي .

ففي عمله الاول الازرق الذي يحمل بعدا تراجيديا للحرية ، هذه القيمة الغالية التي تتحارب من اجلها الشعوب وتسفك في سبيلها الدماء وتقتل من اجلها شعوب ، حاول كيسلوفسكي ان يعبر عنها بطريقته الخاصة من خلال شخوص اعماله وبدايتها الازرق ، من خلال جولي السيدة التي فقدت زوجها الموسيقار الشهيروابنتها في حادث سيارة ، وسبحت في حياة و عالم من الاحزان و الكآبة و التي من خلالها تمنت لو التحقت بهما ، و هذا ما سارعت في تحقيقه فورما استيقظت من غيبوبتها و اطلاعها من طرف الطبيب بان افراد عائلتها قتلوا جميعا في الحادث بتناول حبوب زائدة للانتحار ، لكن هذا الذي لم تقو عليه بسبب الرغبة الانسانية في قيمة الحياة و التمسك بها . وتقرر قطع كل الخيوط التي تربطها بالماضي ، وفصل نفسها عن الواقع ، والنأي عن أي ارتباط عاطفي أو عائلي أو اجتماعي أو مهني .. إنها ترتد الى ذاتها لتسكن جرحا عميقا مغلفا بالحزن والرجع والألم ، وتحيط نفسها بصدفة صلبة لا يسهل اختراقها ، ثم تمشي معصوبة العينين نحو الفراغ الهائل .

لكن فور خروجها من المشفى قررت بيع منزل و املاك عائلتها للتخلص من جميع الذكريات و الاحزان و الالام التي يذكرها به هذا المنزل ، فقررت
العيش في شقة للهرب عن كل الالام و الكآبة التي تحيط بها ، لكن هذه التخيلات و الذكريات البائسة ما لبتث الا ان عادت لتزعجها و تذكرها من خلال مجموعة من الاحداث التي تصادفها ، بدءا بالمتشرد الذي بدأ في عزف جميل من السمفونية التي كان زوجها يهم في انهائها في ذاك الوقت لتخليد الذكرى السنوية لقيام الاتحاد الاوروبي ، ومرورا بلقطة الفئران وكيف انها لم تقو على اخراج تلك الفأرة من الغرفة التي وضعت صغارها بها لم ترد ان تفرق الام عن صغارها لانها تحس بمعنى الامومة و معنى فقدان فلذة كبدها ، فبعد رؤيتها لذالك و لمجموعة من اللحظات التي تعيد لها آلامها تعود الى ذاك المسبح الازرق الذي من خلاله تغطس فيه لتزيل و تتخلص من كل تلك الالام و الاحزان .
فسارعت لاحضار القطة التي جعلت منها ذريعة للتخلص من الام وصغارها كانها تقول ان هناك قوة جردتها من اعز ما تملك وهذه القوة اقوى مما تتحمل مواجهتها لكن القطة هي الاخرى اقوى ما يكون لتتخلص منها الام الفارة خصوصا في غرفة مغلقة لا فرار منها ، لكن جولي لم تقوى حتى على دخول الغرفة للتخلص من جثث و بقايا الفارة التي خلفتها القطة و التي ربما ان تركتها ستتعفن و تترك رائحة قوية بالغرفة . الواقع لم يكن يريد ان يدعها وشأنها يحاول اختراق عالمها وحزنها واشعارها بحريتها لا ان تنكمش في غرفتها تحدق في اشياء تذكرها فقط بالماضي التعيس ، فهي انعزلت كليا عن العالم الخارجي فاصبح كل ما هو خارجي مجهول لديها فاصبحت الغرفة عالمها الخاص جدا .
فهي تسعى الى التخلص من الامها النفسية بواسطة الامها الجسدية من خلال تعريض يدها للأذى من خلال حكها بالجدار ، الا ان جروح الجسد رغم انها مؤلمة وتنزف الدماء غير انها مع مرور الوقت تختفي الالام بشكل طبيعي الا ان جرح القلب من الصعب ان يلتئم فلا دواء له الا الحب ، لكن الواقع لا زال يطاردها لازال يريد ان تخرج من خانتها المغلقة في شقة صغيرة لا تسعف لها ان تنسى فيها ماضيها الاليم ، فتنبثق اولى بوادر تحررها من خلال تعرفها على المومس التي انقذتها من سكان العمارة الذين ارادوا طردها فرأت الاخيرة من ذالك اهتماما لا يمكن ان تقابل به نوعها من النساء فشكل ذالك حياة امل في طريقها ، لكن تحرر جولي النهائي جاء مبهجا نوعا ما بالنسبة للواقع الذي لطالما اقتحم حياتها البائسة الاليمة من خلال اكتشافها خيانة زوجها الميت مع محامية جميلة اتضح لها بعد الحديث معها انها تحمل طفلها منه لكن في غرابة جولي غموض تام ، فتقوم بمنح الطفل الغير شرعي كل ما تملك كما لو انها تكافئه على اعطائها فرصة للعيش مرة اخرى فرصة للتحرر من ماضيها الاليم وعلى التحرر من حب زوجها الذي لطالما تخيلته محبا مخلصا لها دون اي انسان ، ورجع لها امل الحب من جديد حب صادق ربما تجده مع صديق زوجها المحب الدائم لها . وعلى الحان اغنية السمفونية الرائعة تنتهي رائعة كيسلوفسكي الزرقاء
ستصمت كل الالسنة و ....
كيسلوفسكي هنا لم يقدم رائعة انسانية فحسب ، بل قدم لوحة شاعرية موسيقية بامتياز تحكي قصة جولي من مرآها الشخصي من خلال حكايتها المأساوية ومن منظور كيسلوفسكي الذي لطالما عبر هنا عبر الصورة والالحان فهو خير من فعل ذالك في عمله هذا من خلال لمسة ساحرة من تحريك الكاميرا من كل الجوانب و الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة من التحديق في الاشياء واستخدام الفراغ بين عدة مقاطع ، وما ساعد على كمالية العمل هو الاداء الخلاق الذي ابدعت فيه بينوشيه ، والتي أثرت في نفسية المشاهد بامتياز من خلال تعابير وجهها التي توظفها باحترافية عالية ويساعدها على ذالك وجهها البريئ الجميل . اما الموسيقى فكانت ساحرة كلاسيكية بامتياز موظفة بشكل احترافي جدا تدعم المشاهد وتعابير جولي وتختزلها في لوحات سمعية أخاذة ، تصبح حادة في لحظات المها وحزنها و تصبح خافتة في لحظات محاولة الواقع اقتحام خلوتها وتذكيرها بماضيها ومأساتها . اما اللوحة المميز بالفيلم فهي في المشهد الاخير وتقديم كل شخوص العمل بدءا من الشاب الذي كان حاضرا اثناء الحادثة ، المومس ، المحامية واخيرا طفلها الذي لم يولد بعد ، تمر تباعا فهي كل الشخوص التي اتصلت بجولي طوال العمل و تحررت منها بالاخير لتعود الى الحياة الحرة مجددا ، كل ذالك وعلى نغمات السمفونية الرائعة التي تضفي عليها طابعا انتصاريا في لوحة شاعرية جد معبرة لا يقدر لى عملها الا هذا الرجل كيسلوفسكي .
2
الايقونة الثانية من الثلاثية الابيض ، ما يميز ثلاثية كيسلوفسكي من المنظر الاول انها ليست مترابطة فيما بينها فلست ملزما بمشاهدة اي جزء لتشاهد الجزء الاخر ، فكل في بحر من الغموض والمعاني التي يسخرها كيسلوفسكي في ثلاثيته ، فكما الازرق جاء معبرا عن الحرية كما يرمز اللون الازرق في العلم الفرنسي .. تحرر الزوجة من الموت ومن مأساة زوجها وابنتها الى عالم وحياة جديدة ، جاء الابيض متناولا للمساواة ، المساواة في الحقوق التي طالب بها الزوج في المحكمة الفرنسية حين طلبت منه الزوجة الطلاق بسبب عجزه الجنسي ، المساواة في الحب و الالم و المساواة في المصير من خلال الانتقام الذي سعى اليه الزوج .
الانتقام من الزوجة التي تركته بسبب عجزه الجنسي مفلسا في بلاد الغربة بعد ان جرذته من امواله و حتى محله التجاري والسيارة والاهم من كل ذالك العز والوقار الذي جرد منه ، وفي درجة كبيرة الزوجة التي احبها كثيرا ، كل شيئ طبيعي الى حد الان الزوجة فقدت المتعة الجنسية وطالبت بالطلاق وحصلت عليه ومع الدعوة للمساواة بين الرجل والمراة حصبت على امواله ، لكن ما حرض الزوج لما سيقدم عليه هو تعذيبها له فقد رمته في الشارع يبيت في الازقة ، بدون فلس ، وتسمعه صوت تمتعها مع شخص آخر عبر الهاتف ، و تجعل الشرطة تطارده لما حرقت المحل تاركة له فقط حقيبة مع بعض الثياب هذه الاخيرة هي التي ستكون السبب في رحيله الى بلده حين قابل مقامر يحاول الانتحار لكن لا يقوى على ذالك ، لكن يطلب منه ان يفعل ذالك مكانه بان يقتله لكي لا يذل عائلته ، الاخير الذي ساعده على الهرب بزجه داخل الحقيبة وتهريبه الى بولاندا بلده الام ، والذي قرر ان يبدأ منها بالانتقام من زوجته رغم حبه لها ، لكن تفكيره اصبح منحصرا في الانتقام وان تذوق معنى الالم الذي كان يعيشه في حبه لها ـ المساواة في الالم ـ فبدأ في الاستثمار في بيع الاراضي و المتاجرة في العملات والعقار بطرق غير شرعية حتى جمع من الثروة ما يكفي للانتقام ، كيسلوفسكي الذي يهتم كثيرا بالشخصية وبنائها النفسي و الدرامي هنا شكل واقعا من الغموض الذي يحيط بهذا الزوج غموض يحوله من مجرد زوج عادي عاش في فرنسا تزوج ، لكن عجزه الجنسي حال دون ان يطول زواجه ، تحول من مجرد رجل فاشل لا يتكلم حتى اللغة الفرنسية ولا يستطيع التعبير عن حبه لها رغم كل ذالك ، من رجل فقد عزه ووقاره وسقط في الفراغ وجحيم الطلاق والغربة و الاذلال ، الى انسان انبعث من رماد الفشل و الالم و واليأس ليصل الى النجاح و الغنى ، الى رجل له هيبة ووقار في مجتمعه ، رجل عادي يسعى فقط الى لقمة العيش و توفير المال والسعادة الى الزوجة المحبة الى رجل اصبح هاجسه الانتقام لا شيئ غير ذالك ، الشيئ الذي سارع الى تحقيقه بعد ان جمع ثروة لا باس بها فعمد الى تزوير شهادة وفاته و ايهام الزوجة بموته وانها سترث كل ثروته هذا لكي يدفعها للمجيئ الى بولاندا ، لكن عمد ايضا الى ان تكون الوفاة ليست طبيعية بل عملية مدبرة لقتله للتعجيل بموته من اجل امواله ومن سيكون غير الزوجة الطليقة التي تسعى الى امواله ، والتي جاءت الى بولاندا قبل يوم من وفاته وهذا كله تلفيق وانتقام من الزوج ، الزوج الذي حوله الانتقام من مجرد شخص غير مرئي بين الناس الى شخص حولته الاموال الى وحش فاسد كما اصحاب الاموال في عصرنا هذا لا يهمهم سوى ـ الأنا ـ وتحقيق رغباتهم الشخصية ولو على حساب الآخرين . لنرى دمعة تخرج من عينيه وهو يراها وراء القضبان وهي تلك الدمعة التي سقطت من عيني الزوجة في جنازته كاشارة الى ان الحب لازال قائم بينهما ، فلحظة رؤيته لها محبوسة كانت لحظة عز و استرجاع الكرامة بالنسبة له و بمثابة انتصار بطعم الهزيمة لانه لا يستطيع ان يعيش بدونها وهي الوحيدة التي ستنزعه من ذاك العالم الفاسد الذي دخله .
وخير دليل عن تلك الصورة هي ذاك المشهد الذي يراوده كل مرة يغوص في ذاته العنيدة الانتقامية ، مشهد خروج زوجته من الكنيسة لتقابل الناس ويقبلها في ضوء بياض اشعة الشمس وفي ثوبها الابيض الناصع ولون بشرتها الناصعة البياض ، كرمز للنقاء و الذكريات الجميلة في عالم ساده الفساد و الانتقام والمصلحجية .
كيسلوفسكي يقدم لنا هنا المساواة من منظور آخر ، من منظور فساد النظان البولوني السابق في عهد الاحتلال وحتى التحرر منه ، فكيف ساد الفساد و استطاع الدهاة و المحتالون صنع ثروات من لا شيئ تحت غطاء التحرر والديموقراطية ، لكن يتناوله المخرج بعيدا كل البعد عن جانبه السياسي المحض و توجيه انتقادات للنظام التي لا تحمد عواقبه .
وكما عادت كريستوف يقدم لنا هنا رائعة انسانية تحمل كل معاني السمو الاخلاقي و انحطاطه في قالب درامي رومانسي بقليل من الكوميديا السوداء وبصورة ومونتاج مبهرين وتحرك للكاميرا بشكل توضح كل ملامح و تعابير الشخوص هذه الخاصية التي يهتم لها كيسلوفسكي بالشكل الكبيرفي اعماله ، اما الموسيقى التي تتخلل المشاهد فلا حاجة للحديث عن روعتها ، فالاخير اكثر من يستعملها في ايحاءات تعبيرية تقدم صورة واضحة تاملية لما يريد توصيله لنا .
3
الاحمر هو الثالث من ثلاثية الالوان واللون الاخير في العلم الفرنسي الذي يرمز الى الاخاء ، قيمة من القيم الانسانية التي يفتقدها عالمنا الحالي بشكل كبير قيمة الاخاء بين الناس وحسن الجوار ، ومساعدة الناس واحترام خصوصياتهم و عاداتهم واجناسهم . هذا ما حاول كيسلوفسكي تقديمه في هذا العمل من خلال الشخوص التي تتهاوى علاقاتها فيما بينها ، تتقاطع في مجموعة من المصادفات الغريبة التي يستطيع توظيفها الا المخرج بعين حاذقة لا تسلم من بعد درامي مأساوي و عوالم من الخيانة التي لا تخلوا منها جل اعماله الثلاثة ، هذه الصفة الخبيثة التي اصبحت كجزء طبيعي من الطبيعة الانسانية فلا توشك ان تخلوا اية علاقة كيفما كانت صداقة ، حب او اخاء منها وتعمل على سلب السعادة التي كانت ستطغى على العلاقات لو اتسمت بالنبل والاخلاص .
تدور احداث الفيلم حول فالنتاين الفتاة الحالمة ذات الطموح الكبير ، تعمل عارضة ازياء و تدرس في الجامعة وترقص الباليه ، تربطها علاقة حب مع حبيب مسافر لا تسمع الا صوته عبر الهاتف ، لكن شرخ في العلاقة بدا واضحا طوال فترات الفيلم جعل من حياتها العاطفية اقرب الى الفشل و الفراغ ، بينما هي عائدة احدى المرات تدهس كلبا اتضح لها في ما بعد انه لقاضي متقاعد لم يبد اي اهتمام بالكلب تماما وبل لا يبدي اهتماما حتى بحياته ويطلب منها ان تأخذ الكلب ، لكن ذاكرة و رد الجميل عند الكلاب اقوى من ان تكون مثلها عند الانسان ، فقد هربت ورجعت الى القاضي الذي رباها منذ الصغر لتلحق بها فالنتاين لتكتشف ان القاضي مجرد وضيع يتنصت على مكالمات الجيران لتصبح هوايته المفضلة و طريقة عيشه الوحيدة في هذا العالم ووسيلته المطلقة لفهم الناس ومعرفة الحقيقة على حد تفكيره ، لكن رغم النفور و الاشمئزاز الذي شعرت به تجاهه الا انه ارتبطت بينهما علاقة غريبة ، علاقة غريب بغريبة حاولت من خلاله ان تجرده من هذا العالم الوهمي الذي يعيشه ، القاضي الذي يرى نفسه من خلال جار فالنتاين المحامي الذي تربطه علاقة بفتاة يكتشف بعدها انها تخونه ، هذا المحامي الذي يعيش بجوار فالنتاين لكن رغم تقابلهما اكثر من مرة وتجري الصدف ان يتقاطعا الطريق عدة مرات ويوهمنا هنا كيسلوفسكي انه ستكون هناك علاقة ستربط بينهما ، الا انه يسير بعيدا بالاحداث ليصور لنا ان الغاية من المحامي هو اعطاء لمحة عرضية لحياة القاضي لتشابه مصيرهما المهني و العاطفي من خلال القانون و الخيانة التي تعرضا لها من الحبيبة .
بعد تحرر القاضي من عالمه الافتراضي الحزين ، تقرر فالنتاين السفر الى الحبيب عبر الباخرة من اجل بصيص من الامل في العلاقة ، وبجميل الصدف التي عودنا عليها كيسلوفسكي يحدث ان يسافر معها المحامي بنفس الباخرة ، لكن وكما العادة لا يلتفت احدهما للآخر ولا تكون هناك علاقة مرجوة من الاول ، الا ان الباخرة لم تصل الى مبغاها الاخير تتعرض لحادثة غرق ويموت الكل سوى ستة منهم وفي لوحة فنية ساحرة لا يقدر على عملها الا الخبير في صنع المفاجآت والنهايات الغريبة كيسلوفسكي ، ليتضح ان الناجون هم جولي زوجة الموسيقار وحبيبها من فيلم الازرق ، و كارول البولوني وزوجته من الفيلم الثاني الابيض ، وفالنتاين و المحامي من الاحمر .
فهو لعمل عظيم قدمه هنا كيسلوفسكي في هذه الثلاثية الجميلة ، ثلاثية استنبطها من العلم الفرنسي لكن لم يرسمها في قالب سياسي بل ابعد من ذالك من خلال فساد المجتمعات والانظمة ، من خلال حيوات الناس المفعمة بالطاقة لكن بغريزة البقاء ونبذ الآخر بغريزة الانانية و التحرر ، بغريزة السيطرة والرغبة في التحرر ، بغريزة نبذ الآخر والدعوة للمساواة ، كل ذالك في قالب درامي بلمحة كوميديا سوداء في مرات متناثرة ، وبطريقة تغلب عليها الصورة والموسيقى على التمثيل ـ خصوصا في الازرق ـ وبطرح العديد من التساؤلات دون اثر للاجابة ، فانت ملزم بالتحليل وتقصي الاحداث لمعرفة الاجابة ويتضح ذالك جليا في لقطة غريبة تتكرر في جل الاعمال ، لقطة العجوز وهي تريد رمي الزجاجة في القمامة ، ففي الازرق نرى ان جولي لا تساعدها ولا تحرك ساكنا بل ولا تلاحظها حتى .. فهي غارقة في احزانها ومأساتها . كارول في الابيض لا يساعدها رغم ملاحظته لها بل ويبتسم بغرابة فمثلما ضحكت عليه الزوجة لم لا يضحك هو الاخر ويسخر من عجز العجوز عن رمي القنينة ، فكيف تكون هناك مساواة ولم يحصل عليها ولم تحققها له العدالة بنفسها ، فأين العدالة هنا ؟ . في حين ان فالنتاين الفتاة التي كان لها الحظ الأوفر في الثلاثية من خلال ابتسام الحياة لها وطموحها الكبير فهي ساعدت العجوز و استمرت في الطريق .

فكيسلوفسكي هنا اعتمد بالذات على الصدف ، الصدف التي لطالما تعارضت بالثلاثية خصوصا في الاحمر التي كثرت فيه الصدف خصوصا بين المحامي وفالنتاين ، فهل هذه الصدف مجرد قدر ربما يحصل او لا يحصل ام انه قدر محتوم وسابق لما سيحدث لك مستقبلا . ان كيسلوفسكي بشاعريته المعتادة يشرح هنا النفس البشرية ويحرر عواطفها و كل ما يخالج شعورها ويتضارب في مفارقات ومآسي اخلاقية عند الشخوص التي واضح انه يبني عليها معظم سيناريو الفيلم باتقان تام وتصنع احداث الفيلم لكن من منظوره الشخصي هو ومن افكار ابداعاته الخلاقة المبنية على احاسيسه المبنية على كره و استفزاز الانظمة الاستبدادية لكل الحريات .
لن تجد افضل من هذا الرجل في نظري يستعمل هذا الكم الهائل من الموسيقى و الصورة في افلامه ليعطي صورة شمولية تعبيرية للاحداث ويرسمها في لوحات سمفونية كما حدث في الازرق ، فقد غلبت الموسيقى على المشاهد وفي فترات استمع للموسيقى وانسى الاحداث لحين الرجوع للوراء ، الادءات كانت في مجمل الثلاثية جد احترافية ربما تطغى اللمحة الاخراجية عليها فنجد الشخوص تتحدث بلسان كيسلوفسكي في العديد من المرات عبر حوارات متراقصة تتخللها موسيقى ساحرة تطفو في مشاهد خلابة لا تقاوم . اما عن تفضيل احدها فاجد ان الازرق هو الطاغي لكن بدرجة قليلة جدا على الاحمر موسيقى وتصويرا وبناء الاحداث وبدرجة اقل على الابيض الذي يتمتع بطعم خاص . وهذا ان دل انما يدل على ان الثلاثية انجزت باتقان تام وبكتابة سيناريو لا ثغرات فيه ابدا واجمل ما يطغى عليها هي النهاية التي تكون دائما مفتوحة للمشاهد لتفسيرها ويصبح هو الناقد لما شاهده .


تعليقان على Krzysztof Kieslowski | ثلاثية الالوان

تحياتي! الرجاء إضافة نفسك الى سجل الزوار بلدي!

Alexandre FABBRI
KIESLOWSKI'S WORLD

كيف يكون ذلك أخي الغالي

إرسال تعليق

تابع كل جديد برسالة الكترونيه لـ إيميلك فورا

 
تعريب : باسم
تطوير : محمد نجد
  
  
هذه المدونة بدعم : منتديات بلوجر بالعربي