احصائيات المدونة

الاثنين، 14 مارس، 2011

Ed Wood | 1994

 
Ed Wood

 السيرة الذاتية للمخرج الأسوء في تاريخ هوليوود تتحول إلى إلهام خاص لكل المخرجين كانوا جيدين أم سيئين






يُقال أن إد وود، أحد المخرجين العاملين في الصناعة الهوليوودية من عقد الخمسينيات إلى السبعينيات بين كل حين وآخر، كان أصبح بطلاً شعبياً بالنسبة لشريحة معينة من المشاهدين الأميركيين وذلك لأنه كان مسؤولاً عن إخراج أسوء الأفلام في التاريخ. لدى البعض، تلك الأفلام كانت من السوء إلى حد أنها كانت ترفّهه وتثير القبول لديه. وإلى هذا البعض ينتمي المخرج تيم برتون. الرابط القائم بين إد وود وبين تيم برتون كان أكثر من ذلك. فبرتون هنا لا يتحدث عن الآخر بصفته معجباً فيه فقط وعملياً الاثنان لم يلتقيا في الحياة الفعلية ولو لمرة واحدة. لعل إد وود كان مخرجاً سيئاً بالفعل، لكن من وجهة نظر برتون هو قدوة يحتذى بها لكل من أراد أن يكون مخرجاً فعلاً، على اعتبار أنه مخرج يعمل في السينما حباً لها حتى النخاع وهو -كحال برتون- لم يتخلى عن رؤيته الخاصة مطلقاً، وقام بصنع كل فيلم من أفلامه كما كان يجب أن يُصنع بنظره لا بنظر الآخرين، غير مكترث لما يفرضونه عليه ومتجاهلاً باستمرار ما يعود إليه من العائدات المادية والمعنوية.
في الحقيقة بعض أفلام برتون نفسه كانت سيئة وفي نفس الوقت مسلية أيضاً. لكن كلها لا تخلو من روح الفكاهة وبهذه الروح يُعالج برتون فيلمه هذا. يستعين بممثله المفضل جوني ديب في تعاونهما الثاني مقدماً إد وود كبطل منتصر وليس كشخص مثير للشفقة. ولا شك عندي بأن اختيار جوني ديب بالذات للقيام بهذا الدور، وهو الممثل الذي لا يزال متعاوناً مع برتون حتى يومنا الحالي، يزيد من خصوصية الرابط المذكور بين الاثنين ويؤكد على أن برتون يجد في إد وود انعاكساً له كمخرج. بتعبير آخر، يجوز القول أن برتون هنا يتحدث عن هذا الشخص/ المخرج حديثاً شخصياً يخصه كما لو أنه يتحدث عن نفسه، وأما عن الممثل المرتبط معه بشكل متواصل كما نعرف جميعاً، فيبدو أنه مثل نسخة بديلة -جسدياً- عنه. لكن ما يتحدث فيه لا يخصه وحده وإنما يخص الجميع وبالأساس كل من يطمح أن يكون مخرجاً حقيقياً. أعتقد أن بين يدي مخرج آخر غيره، وحتى لو كان أحد الفنانين، لكان جاء الفيلم باعثاً على الإحباط والكآبة وربما الفشل فيه بدوره، علماً بأن إد وود كان استمر في الإخراج في القاع من أحشاء هوليوود ومات هناك وفي حياته كلها لم يحقق نجاحاً واحداً. لكن تحت عين برتون الذي ينظر إليه بتعاطف متفهماً إياه، فإن الفيلم يتحول إلى الاحتفاء به وبتلك الروح الخلاقة التي تملئه ومهما كان مستوى نتاجها عنده وعند أي شخص. فالإبداع الفني وحتى إن لم يُصب نجاحاً، فيه شيء من النبل، وصاحبه يستحق أن يقدّر.
كما هناك في الفيلم احتفاء بما كان يُصنع من أفلام الـ Exploitation في هوليوود الخمسيناتية التي تربى عليها برتون وهي أفلام كانت تأتي كالطلبات العاجلة للعدد الأكبر من الجمهور، حيث يتم صنعها خلال أيام معدودة ويتم الإشهار بها وتعبئتها بأي شيء يسطو على جيوب المشاهدين. هكذا مع قلة التكاليف ومحدودية الزمن المتاح لصنع الفيلم، ومع غياب المواهب أصلاً، كان هناك سيلاً من أشد الأفلام رداءة وغرابة في الأطوار. الذين قاموا بإخراجها كانوا أقرب إلى العاملين في خدمة الوجبات السريعة الذين عليهم الإسراع في تسليم بضاعتهم لجميع الزبائن وخلال وقت محدد لا يتجاوز أسبوعاً في العادة. بين هؤلاء، إد وود هو حالة خاصة، وفي هذا النطاق هو الاسم الوحيد الذي لا يزال يُذكر. ليس وكأن ما أخرجه أكثر أو أقل رداءة عن البقية، لكن يُلاحظ أن ما أخرجه كان يتعلق به "حياتياً" وليس مجرد وظيفة مبرمجة له. على العكس. وود كان محباً لهذا الفن والشائع أنه في كامل مسيرته لم يُخرج لقطة واحدة لم يحبها. هذا الحب دفعه إلى مزاولة الإخراج كما يمليه عليه قلبه متناسياً عقله. وكما الحال الموجود لدى كل فنان، إنه حب غير مفروض ولا يجب أن يتدخل فيه أحد.


خلال السنوات الأولى من الخمسينيات، شق وود طريقه بالإنتقال من الفشل في إخراج المسرحيات إلى الفشل في إخراج الأفلام طامحاً بأن يمشي على ذات الطريق التي مشى عليها أورسن ويلز وأن يكون مثله فناناً شاملاً على تحقيق الفيلم الذي يريد. وود الذي لا يملك أي معارف أو مرجعية معينة فيما يقوم به، هو دخيل على عالم هوليوود والمخرج برتون لطالما أجاد في تصوير الدخلاء الذي يقتحمون عالماً أخاذاً عليهم التلاحم فيه وهو يُجيد كذلك في نقل التجربة إلينا من خلال أعينهم. منذ التعاون الأول بينه وبين ديب، وهو الفيلم Edward Scissorhands كان الحال كذلك. لكن هنا وأكثر من أي تعاون آخر لهما، شخصية الدخيل وود متجذرة في أرض الواقع تماماً. أنت تتابعه فتراه إنساناً عادياً ولا يتبدى لك كمخلوق ما كما درجت العادة في تعاونات الاثنين، وهذا الإنسان الوافد على عالم هوليوود كل ما يهمه هو أن يصنع فيلماً له، وحبه لفعل ذلك يقترب إلى حد الهوس وعدم اكتراثه لكل ما يعطل عليه الاستمتاع بما يحاول إخراجه. وما يقوم به كله أخطاء إخراجية. هذه الأخطاء ملحوظة من قبله، لكنه يستقبلها بصدر رحب ووجه مبتهج، لأنه كان يحب "أي شيء" يأتي من الفن السينمائي وكيفما كان.




معه في ذلك مجموعة من الأشخاص الذين يبدون لنا كالقادمين من عالم غير عالمنا. وود في أيامه الأولى لإخراج باكورة أعماله السينمائية يحتاج دعماً من أي أستوديو، والرئيس على الأستوديو الذي راح إليه وود لا ينظر إلى موهبة المخرج بقدر ما ينظر إلى قدرته على جني المال. وود يُرفض هو ومشروعه. يخرج من المكان عائداً إلى حيث يقطن وعلى الطريق يلتقي مع بيلا لاغوسي (مارتن لاندو) الممثل الشهير بأداء دور الكونت دراكولا في أفلام الرعب الأميركية من زمن الثلاثينيات والأربعينيات، والذي بخلاف وود يتنفس أيامه الأخيرة بعدما أفل نجمه وعاش إدماناً على المخدرات ووحيداً ليس لديه إلا نفسه. دور دراكولا التصق بحياة لاغوسي وحتى حين يمشي بين الناس يخالونه هو والبعض يعتقده ميتاً منذ دهر. الاثنان يبدءان بالحديث ويشرعان في تكوين صداقة مقربة ممزوجة بزمالة العمل لاحقاً، فمع مشاركة لاغوسي واعتباره نجماً يوافق رئيس الأستوديو على إنتاج ذاك الفيلم الذي أراد وود أن يتولاه. هذا الفيلم الذي كان على وود تحقيقه في مهلة أقل من أسبوع يفشل فشلاً ذريعاً وحتى قبل أن يُعرض في الأسواق المركزية، ومع كل فيلم جديد له يجلب وود أشخاصاً آخرين من غريبي الأطوار بما فيهم مصارع سويدي هائل الجثة وممثلة مختصة في أفلام مصاصي الدماء وعندما يجتمع هو مع هؤلاء جميعاً فوق موقع التصوير يبدون كما لو خرجوا من المصحة الجنونية للتو.


كما في العادة، يقوم برتون بالتركيز على أنسنة هذه الشخصيات التي تعيش على هامش الحياة بما فيه الكفاية. قد يبدو أن وود وتلك المجموعة التي يقودها من غريبي الأطوار، لكن برتون يجعلهم وُديون يعملون حباً للسينما فلا يمانع المرء من التقرب منهم وعلى رأسهم وود بصرف النظر عن موهبته الميؤوس منها. برتون يجعلك تضحك على وود وهؤلاء الذين معه وينتزع منك الابتسامة لهم، فهنا سترى لأول مرة كيف يحاول البعض الهجوم على مخرج "حرفياً" وحتى على طاقم عمله وكيف كان يهرب هؤلاء منهم ويحاولون تجنبهم، وكيف كان وود يُخرج أي فيلم من أفلامه مرتكباً ما لا يُحصى من الأخطاء الإخراجية ما جعله أن يكون في نهاية الأمر اسماً مخلداً في التاريخ السينمائي وربما عن حق في ذلك. لكن برتون، وإن كان يتحدث عن هذا المخرج الذي يُعتبر الأسوء في التاريخ الهوليوودي حديثاً فكاهياً فهو لا ينساق إلى نقده بالشكل اللاذع ولا يضعه موضع الاستهزاء عليه أو التمسخر، كما أنه لا يقلل من قدره بل يتحدث عنه محتفياً به ويزيده رفعة وشأناً. إلى ذلك، فإن برتون يهتم أكثر لشخص وود ولا يهمه مستوى ما يجود به هذا الشخص، مقدراً سعيه نحو الملكية والخصوصية الفنية في أعماله دوماً بعيداً عن براثن منتجيها أو مموليها، وهو يحث أي مخرج كان على أن يحقق أعمالاً تخصه وتقترب من ذاته وأن يكون مولعاً بأدق التفاصيل وأصغر الأمور كما كان وود نفسه كذلك.


ممارسة هذه المهنة بالنسبة لوود هي كمشاهدة فيلم. ففي الوقت الذي يرتكب فيه تلك الأخطاء التي من المستحيل عدم ملاحظتها، نجده لا يمانع شيئاً مما يراه يُصنع أمامه وبل هو يراه جالساً على مقعد الإخراج مستمتعاً فيه كما لو أنه يشاهد فيلماً ما. إنه يمتنع عن تصوير اللقطة الواحدة أكثر من مرة، وأي خطأ أو خلل يقع أمامه يبرره ولا يقدر على التمييز بين مثالية الحياة المجسّدة في السينما وخللية تلك الحياة التي تُعاش خارجها. إد وود هذا، كما يقدمه جوني ديب مقدماً كل المطلوب منه، يخوض تجاربه ممتلكاً ما يكفي من الأمل والبساطة وحماسة تُشبه حماسة الأطفال لجعل المتلقي يقف إلى جانبه مناصراً له، وهنا يأتي دور جوني ديب الموهوب الذي يعتمد على كامل قدراته التمثيلية لجعل الشخصية في حدود التصديق رغم بعض غرائبيتها وتعقيدها وتمثيله في هذا الفيلم يتعدى الاعتماد على التمثيل بشكله أو مظهره كما يفعل في أفلام أخرى له. في المقابل، يواكبه الممثل مارتن لانداو في أداء يفعّل قدراً جيداً من العاطفة التي يحتاجها الفيلم، والمُشاهد الذي سوف يتابعه حصراً سيخاله الممثل بيلا لاغوسي الحقيقي حقاً، وليس ممثلاً يحاول التشبه به.


لا أعرف مدى استناد الفيلم على الواقع الفعلي الذي حدث، لكن ما أعرفه أن كل ما نراه فيه تقريباً كان لإيصال ما يريد المخرج إيصاله إلينا. فالمعروف بأن إد وود لم يلتقي في الحياة الفعلية مع أستاذ المخرجين أورسن ويلز ولو أنه كان يُمني نفسه بذلك، لكن برتون يخترع من وحيه مشهداً رائعاً لهذا اللقاء بين الاثنين ويجعله على مقربة من نهاية الفيلم، وفيه نرى وود يزور مطعماً من مطاعم هوليوود الشهيرة التي يرتادها النجوم العالميين يومياً وقد اشتاط الغضب به محاولاً أن يكتم هذا الغضب وذلك على إثر الخلاف الذي جرى بينه وبين منتجي فيلمه الجديد الذين حاولوا التدخل في رؤيته الخاصة لذاك لفيلم والضغط عليه حتى يُخرج لهم ما لا يريد إخراجه. في المطعم يلاحظ وجود أورسن ويلز (يؤديه الممثل الشبيه به فنسنت دونوفريو) وهو يجلس على المائدة وحيداً. ينضم وود اليائس إليه ويخبره ما حصل. ويلز، المخرج الذي يعتبره وود بطلاً له، يعاني من مشكلة وود أيضاً وهي مشكلة يتعرض لها أي فنان يسعى للاشتغال داخل النظام الهوليوودي حيث سطوة أصحاب الإنتاج وحيث لا يستطيع الفنان أحياناً أن يفعل ما يريد وبالطريقة التي يريد. والمفارقة هي أن هذا اللقاء يجمع المخرج ويلز الذي يُعد المخرج الأفضل في التاريخ مقابل المخرج الذي يعد الأسوء في التاريخ كذلك. وود يحتاج إلهاماً خاصاً ليخوض تلك المواجهة النهائية ضد المنتجين الذين يعتقدون أنفسهم المخرجين وهذا ما سيحصل. فيعطيه ويلز النصيحة بأن لا يقضي أيام حياته في صُنع أحلام الآخرين بل أحلامه هو، وكيف أن تحقيق رؤياه في السينما كما يجب أن تكون شيء يستحق المواجهة لأجله.




اختيار برتون تصوير الفيلم بالأبيض والأسود كان في محله لاستعادة أجواء الخمسينيات وتقريبنا من الحس الكلاسيكي الذي يجتاح أفلام هذه الحقبة الزمنية غير الملونة سينمائياً. إد وود اعتاد القول بأن الناس لا يهتمون للتفاصيل الصغيرة ولكن يهتمون للصورة الكبيرة، لكنه بالطبع كان على خطأ كعادته، وتحديداً تلك التفاصيل الصغيرة الموجودة في هذا الفيلم والآتية من مختلف عناصر الإبداع فيه (خصوصاً موسيقى هوارد شور والتصميم المكياجي من ريك باكير) هي التي تجعل سيرة حياة وود هذه تتألق على أكثر من مستوى وحتى تُلهم. كونه فناناً ضاحكاً وليس ساخراً، يُفلح برتون كثيراً رفقة ممثله المفضل ديب في التعبير عن ذلك الحب الذي كان ينسل من بين أيدي وود دوماً. الفيلم عبارة عن تحية حارة وبكل احترام من مخرج إلى مخرج آخر رغم أي شيء، وإلى جميع المخرجين الحقيقيين، وضمن هذه التحية ثمة الكثير والكثير من هذا الفن الذي نحبه كلنا.


المصدر(1994) Ed Wood

إرسال تعليق

تابع كل جديد برسالة الكترونيه لـ إيميلك فورا

 
تعريب : باسم
تطوير : محمد نجد
  
  
هذه المدونة بدعم : منتديات بلوجر بالعربي