احصائيات المدونة

السبت، 19 فبراير، 2011

OSCAR 2011▌ نــقــاد الاوســكــار ₪Winter's Bone !


Winter's Bone


  
 الريف الأمريكي ، يحتفظ ذلك الريف المتميز عن أي ريف بالعالم بمعالم خاصة جدا ، معالم ليست بالواضحة و لا الغامضة تماما و لكنها ضبابية و حادة و قوية و عنيفة و منشية أيضا ، تحتفظ بكل أسرارها ما يجعل لها سحرا خاصا و جاذبية غير إعتيادية رغم كل ما قد يكتنفها ، بدءا بحمى الذهب و مرورا بالحرب الأهلية العنيفة إلى ما رافقها من وضعيات تظهر من خلال أشكال أدبية قوية جدا و غريبة أيضا ، و أعمال سينمائية لا تقل قوة و عمقا ، فخطوطها رسمتها روايات كالشارة القرمزية و كرواية فولكنر ( الصخب و العنف ) و روايتي جون ستانبيك ( عن الفئران و الرجال ) ( عناقيد الغصب ) الذين تحولا لفيلمين قويين ، إنضمت لهما أعمال بقيمة فيم بول نيومان ( هاد) و رائعة الكوين ( لا بلد للمسنين ) ، و أتى فيلم ( عضام الشتاء ) في بيئة مماثلة ، لا توجد أكثر منه مثالية لطرح ممتاز
تتمثل قصة الفيلم في فتاة شابة تحاول حماية عائلتها المتمثلة بأخويها الصغيرين و أمها المريضة على الدوام ، و ذلك من تبعات قرار محكمة تلاحق أبيها المتاجر بالمخدرات ، و الذي إختفى بعد أن وضع المنزل الذي يؤوي العائلة رهنا لمبلغ كفالته و يصبح لزاما عليها البحث عن أبيها لتسوية وضعها قبل فوات الأوان ، و ذلك في بيئة شتوية موحشة ، و هي البيئة التي لا تظهر من خلال برودة الشتاء و صقيعه بل من خلال برودة البشر التي لم يضاهيها الشتاء برودة ، فنسافر رفقة الفتاة ضمن شتاء من العلاقات الإنسانية الموحشة و التي فقدت أدنى تفاصيل الدفئ ، و أبدلتها برياح هوجاء من القلق و الخوف و الترقب و الشك المضمر بأسوء النوايا ضمن جو مكهرب من الأحاديث المقتضبة و التصرفات الحذرة ، و تلفح وجوهنا تلك البرودة مما تلقى الفتاة من تصرفات تبدوا كواجب فقط من العم الذي لا تظهر مشاعره وسط ضبابية موقفه من أبيه و إبنت أخيه ، و من جارتها التي تساعدها من خلال وجه أقرب يكون للواجب أو العادة أكثر من أي شيئ آخر ، و كذلك تصنع الصديقة ، و لا تبدوا البرودة و الضحالة الكبيرة من المشاعر حتى العدائية منها بالمختلفة كثيرا عند غريمها و الذي يرفض رأسهم مجرد الحديث إلى الفتاة و ينتهي الأمربتعرضها لضرب مبرح ثم مساعدتها لا لغاية إلا إيقاف الأحاديث العابرة
و حتى في المشهد المفصلي الذي تجد به الفتاة إجاباتها نجد ذات البرودة و إن مرت برعشة من دمع الفتاة ، و مرة أخرى يدرجه العمل ضمن الواجب ، أجل الواجب و أي واجب ، إنه واجب الحياة !!! ، ذلك هو التبرير الكبير الذي وضعنا الفيلم في خضام ، فالكل يأتي من برودته تلك من رغبته بالعيش ، و هو ما يجعل الحذر و الخوف من المجهول و محاولة تجنب أدنى شرارة ، حتى لو كانت مشاعر أو مساعدة للآخر فهي لن تظهر إلا كتبرير آخر لحماية هذه الحياة ، كأن الأمر تحول إلى قناعة كل شخص بالسلامة و بما بلغه ، ضمن طريقة النجاة بأخف الأضرار مع الصبر على الجروح البليغة و التضحيات التي قد تكون ضرورية للإستمرار بالعيش في هذا الشتاء
الشخصيات تبدوا كأنها رمزية لكنها لم تكن غريبة عن الواقع ، و ليست بالمقتصرة على الريف الأمريكي ، بل قد تتعداه إلى أبعد من ذلك و إلى أكثر من مكان ، و بالنظر لبعض من المشاهد تظهر تلك التجاذبات كلها ، بدءا بالمشهد التي تحذر فيه العجوز الفتاة من البحث عن رب عائلتها أو أسرتها لا يظهر ذلك ، و من ثم تعود ذات الطريقة من خلال فرار ذلك العجوز من لقائها قبل ضرب القتاة ضربا مبرحا ، ليكون المشهد أشد تعبيرا و قوة ، عند إحتمال قتل الفتاة الذي يظهر كأول الإحتمالات ، و لكن الفتاة و غرماؤها و العجوز و عمها يعلمون جميعا أنه غير متاح ، و غير مطروح ، ليس لشيئ لأنه لا أحد يود مشكلة ، و مع ذلك لا يتم الإقرار بذلك بوضوح ، و تعود ذات المسوغات في مشهد العم و هو يقول للفتاة أنه لا يود أن يعرف قاتل أخيه ، هذا ما قاله من حديثه و سمعته الفتاة ، أما ما لم يقله و سمعته الفتاة أيضا ويراه المشاهد و يفهمه و يحس به و يبرره له ، أنه لا يريد أن يثأر له ، ليس لأنه لا يحبه و لا يهتم له بل لأنه يريد أن يعيش ، بل و إن ذات العم يذهب في حديثه عن أخيه إلى أن حب ذلك الأب لعائلته كان نقطة ضعفه ، و بأحدى أقوى المشاهد تتصرف الفتاة بذات المنطق ، تمسك بيدي أبيها تضحية على مذبح حياة تريدها لعائلتها
مخرجة الفيلم ديبا غارنيك تدخل من خلال ثالث تجاربها الإخراجية ، و الذي كان كسابقيه من تأليفها ، ما ساهم إلى قدر كبير في توفيقها بحكم أنها تخرج ما تكتب ، و أضفى تماسكا على العمل و لم يخلف ثغرات عليه على مستوى النص و الإخراج ، و قد أجادت بشكل رائع في زرع كل ما أرداته في ممثلي فيلمها من برودة و تجهم و غموض و أسئلة ، و تحكمت بقوة بالموسيقى الرائعة الخاصة بالريف و أجادت لغة الصمت في المشاهد و الضلال و الإضاءة العبقرية و توزيع الشخوص في المشهد و ظهر ذلك مثلا في أقوى مشاهد الفيلم عندما عبرت عن كل الفيلم به ، مشهد الشرطي عندما أوقف شاحنة العم الذي يحمل إبنة أخيه ، في مشهد حذر و بارد و مليئ بظلين فقط يتزاحمان الظهور ، و بكثير من المشاعر ، من الإقدام و الإحجام ، و من التشبث بالحياة و الإستعداد لرمي كل شيئ من أجلها أو من أجل خسارتها ، معركة طويلة عنيفة قاسية ضمن مشهد من لحظات قد يشفع لهذا الفيلم لو حمل الذهب ليلة توزيع الجوائز
جنيفر لورنس أدت دورا ممتازا ، و كانت في مستوى بطولة الفيلم و إستحقت الترشيح و لن يكون غريبا لو حملت الذهب الأوسكاري ، و كان بقية الكاست جيدا جدا ، و نهاية فالفيلم معبر جدا و من النوعية التي تسحرني لأنه يجعلك تدرك أي قسوة هو عليها شتاء يدعى بالــحياة


إرسال تعليق

تابع كل جديد برسالة الكترونيه لـ إيميلك فورا

 
تعريب : باسم
تطوير : محمد نجد
  
  
هذه المدونة بدعم : منتديات بلوجر بالعربي