احصائيات المدونة

الثلاثاء، 7 سبتمبر، 2010

راشومون , تحفة الياباني كيروساوا الخالدة




من اين تكون البداية حينما نتحدث عن فيلم من توقيع الياباني المبدع اكيرا كيروساوا، هل نبدأ من الفيلم او المبدع وحينما نذهب الى الفيلم هل نبدأ من النص الاصلي او النص السينمائي لان هناك مساحة كبيرة بين النص الاصلي «الروائي» - المسرحي - وايضاً النص السينمائي، الذي بات يعتقد نسبة كبيرة حتى من اليابانيين انفسهم بانه النص الحقيقي علماً بان النص مأخوذ من مجموعة قصصية كتبها ريونسوك اكوتاجاوا الذي تعاون معه لاحقاً كيروساوا في صياغة مفردات النص السينمائي، بشكله ومضامينه الجديدة معتمداً على الجوهر الاصلي للحكاية، منطلقاً لمزيد من التحليل المعمق للشخصية او الشخصيات المحورية، وميلها لتبرير تصرفاتها حتى لو كان ذلك عبر الكذب، والذي يأتي هنا عبر روايات تذهلنا دقتها، رغم حالة اليقين التي يحسها المشاهد في ان ما يقال، ما هو الا افتراء، وتبرير للحالة التي تعيشها كل شخصية من تلك الشخصيات التي التقت امام بوابة «راشومون».

ونعود الى كيروساوا، ذلك المبدع الذي حينما تورد السينما اليابانية، فان اسمه يكون دائماً في الطليعة، حيث يعتبر اكيرا كيروساوا واحداً من اهم الصناع ليس في اليابان بل على مستوى الحرفة السينمائية العالمية، ومن اهم التحف التي قدمها «راشومون» و«الساموراي السبعة» و«كاجيموث» (محارب الظل) و«ران» وغيرها وتكاد تماثل القيمة الابداعية لفيلم «راشومون» القيم العالية الجودة التي تمثلها افلام مثل «المواطن كين» و«المدرعة بتموكين» و«المدينة المفتوحة».

المشهد الافتتاحي للفيلم، يمثل مدخلاً حقيقياً لتحفة سينمائية، حيث مشهد ذلك المنزل والمحاكمة وذلك الرجل الذي يشهد المحاكمة والتحقيق وهو يقول: «انا لا افهم» حيث تتداعى الحكايات والروايات فيما يشبه الاحاجي.

ونشير الى ان المشهد الافتتاحي حيث بوابة راشمون وتساقط الامطار وتلك الظلال والاضواء، تجعلنا ننتقل الى عوالم ذلك الزمان والحدث.

وهنا نشاهد حطاباً وراهباً يستظلان تحت بوابة «راشومون» عن سيل المطر وكان ذلك المطر يريد ان يغسل النفوس ويغسل الاحداث بحثاً عن الحقيقة، وسط تلك الاجواء يدخل شخص مسرعاً حيث يبادرهما في حديث عن حادث اغتيال غريب من نوعه، حيث نستمع الى اربع روايات او حكايات لتلك الجريمة وذلك الحادث البشع، ويروي تلك الحكايات قاطع الطريق والزوجة والزوج والحطاب، وكل منهم يروي ادق التفاصيل عن ذلك الحادث، مشيرين الى ان احداث الفيلم تبدأ من النهاية، بمعنى اننا نعرف أن هنالك جريمة قتل وسرعان ما تبدأ عملية التحقيق والروايات التي يأتي كل منها لتبرير حالة الراوي الذي يرويها، اربع قصص واربع روايات مختلفة، كل منها تقدم معلومة وكل منها نصف حالة وكل منها تذهب الى تحليل جانب، سواء عن القتيل او القاتل او حتى الظروف التي تحيط بالحدث.

ويظل الشك هو الحاضر الاساسي....

غرور ومغامرة

ويظل الدافع الذي هو المحفز للرواية والزاوية التي ينطلق منها الراوي لكل قصته، فقاطع الطريق يقدم الرواية التي تتوافق مع غروره وصلفه وحدته.

في الوقت الذي تقدم به الزوجة الحكاية وحيثياتها، من اجل ان تحفظ شرخها وعفتها.

ويذهب بعيداً ذلك الزوج وهو يقدم روايته، مستدعياً تقاليد الساموراي الصارمة في الوقت الذي يجد الحطاب نفسه وهو يقدم روايته بانه يذهب لستر الحقيقة، وعدم كشف خيوطها الحقيقة، التي تظل غائبة او مغيبة عبر قصص تجعلنا نؤمن بأنها حقيقة، ولكنها غير ذلك تماماً، انه الالتباس والشك الذي يبرر الاشياء وهو ما تلجأ اليه الذات البشرية في تفسير الامور حسب هواها، وحاجتها وظروفها.

الكتابة الروائية التي انطلق منها - اكوتاجاوا - في كتابة «راشومون» بلغت حالة من الثراء في بناء وتحليل الشخصيات عند معالجتها سينمائياً، فالتحليل يتجاوز السرد الروائي بما يتمتع به من الغموض وتلك الاحاجي والالغاز في كتابة النص، فالتحليل يعرفنا على النفس الانسانية لشخصية الراهب الذي يظل محافظاً علي ايمانه وعمله من اجل خير البشر، رغم هول الجريمة وكارثية الروايات التي لا تكشف عن جريمة واحدة بل جرائم تحملها كل تلك الشخصيات المشبعة بالهموم والكذاب، وهكذا الامر بالنسبة للزوجة، التي تظل تبرر كل ذلك من اجل المحافظة على شرفها، ولكن الى ان تقودها رغبتها او بمعنى ادق «شهوتها» وايضاً الزوج الساموراي، الذي يقرن حياته وحكايته بالعزة والكبرياء والشموخ كمبرر لما قام به ولكن اين الحقيقة في كل ذلك، وايضاً في رواية الحطاب فهو كان بريئاً او شاهد اثبات، او مجرد شخصية ارادت ان توسع دائرة الشك من خلال حالة الشك التي تعيشها وحالة الالتباس مع الذات.

اربعة شهود لجريمة او حادثة.

اربع روايات مختلفة، باختلاف اصحابها ومواقفهم.. اربع حكايات لكشف ميول كل شخصية لتبرير تصرفاتها بل ان كل شخصية تذهب بعيداً في تقديم دافع النفس البشرية امام الشهوة والاغتصاب والقتل والسرقة والكذب.

حكايات ومواقف وتبريرات وذوات انسانية متعددة الرغبات والاهداف والمصالح.

وحينما يورطنا كيروساوا في لجنة تلك الروايات والتباساتها ويعلم جيداً باننا ذهبنا الى التحليل، دون الحاجة الى معرفة القاتل الحقيقي، يورطنا في المشهد الاخير بحكاية اخرى حيث حكاية اللقيط الذي رماه اهله عند بوابة راشومون حيث نشاهد كماً من الممارسات التي تفتح في عقلنا كماً من الاسئلة، فهل ذلك اللص الذي عرفناه، والذي يقوم بسرقة رداء «الكيمونو» الذي لقي به الطفل مجرماً، او اكثر انحطاطا من والد الطفل الذي استمتعا برغبتها، ليتركا ذلك الرضيع على قارعة الطريق، ثم لماذا يقوم ذلك الحطاب بأخذ الطفل وتربيته وهو من لديه ستة اطفال وحينما لا نجد الجواب، يتركنا كيروساوا ويتركنا الفيلم والرواية والمسرحية، من اجل ان نتحاور مع الذات، وكم نحن قريبون من عوالم تلك الشخصيات واسرارها وغموضها ومبررات جريمتها.

أداء رفيع

ولاننا في اطار الفيلم فاننا لابد ان نتوقف امام الاداء الرفيع المستوى للنجم الياباني القدير توشيرو موفين بدور قاطع الطريق تاجيمرو تلك الشخصية الحادة الملامح والقاسية، والتي تبرر فعلتها بمنطقها الخاص، وهكذا الامر مع بقية الشخصيات.

وفي الفيلم ايضاً ماشيكو كايو وماسابوكي موري وتاكاشي شيمورا.

الفيلم ترشح للاوسكار عام 1953 كما ترشح لجائزة بافتا «جوائز السينما البريطانية» وفاز بكم من الجوائز من بينها الاسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي وهو احد التحف المهمة الخالدة في تاريخ الفن السابع.

عمل سينمائي قدم باحتراف عال «بالاسود والابيض» عبر لغة سينمائية، جعلت «هوليوود» وصناعها يرفعون القبعة احتراماً لذلك المبدع الياباني الكبير، الذي اكد حضور السينما اليابانية وفتح ابواب التعاون عبر كم من الاعمال التي اقتبست من اعماله ومنها فيلم «الساموراي السبع» الذي حولته هوليوود لاحقاً الى فيلم «العظماء السبعة» وغيرها من الاقتباسات السينمائية المهمة، لان ما يقدمه كيروساوا هو عبارة عن سينما من نوع آخر، وفكر من نوع مختلف، سينما تذهب الى العقل.

وبعيداً عن الاطالة، نقول... «راشمون» تحفة الياباني كيروساوا الخالدة، تدعونا لان نعري انفسنا، لان نراها بشكل حقيقي خالية من الزيف.. والرغبات الشخصية التي تحركها.

تعليقان على راشومون , تحفة الياباني كيروساوا الخالدة
غير معرف
7 يناير، 2012 9:02 م

يرجى التصحيح :ريونوسوكي توفي 1927 , أي قبل دخول كيروزاوا عالم الفن السينمائي (1941).ولم يشارك بأي شكل من الأشكال في كتابة السيناريو الذي قام عليه فيلم ـ رشمون ـ
تحياتي الأخوية . يحي من الجزائر

@غير معرف

أهلا بك أخي يحيى تشرفت بمرورك عظيم الشرف ..

والله لم افهم التعديل لو تكرمت بشرحه اكون ممنون

إرسال تعليق

الرابع وصل بسلام الى مزبلة التاريخ .., اللي بعدو .
تابع كل جديد برسالة الكترونيه لـ إيميلك فورا

 
تعريب : باسم
تطوير : محمد نجد
  
  
هذه المدونة بدعم : منتديات بلوجر بالعربي